الاعتراض الذي لم يصل
في الثالث عشر من يونيو 1961، بعد أقل من شهرين على فشل الإنزال في خليج الخنازير، رفعت «مجموعة دراسة كوبا» التي شكّلها الرئيس كينيدي برئاسة الجنرال ماكسويل تايلور مذكّرتها الثالثة إليه. وفيها ملاحظة صغيرة لا تلفت النظر في القراءة الأولى: هيئة الأركان المشتركة كانت تفضّل في البداية خطة غير التي نُفّذت، لكنها حين قبلت الخطة المعدّلة «أعطت الآخرين انطباعًا بأنها توافق عليها»، وتفضيلها الأول «لم يصل، على ما يبدو، إلى كبار المسؤولين المدنيين».
أقف عند هذه الجملة لأنها تقلب سؤالًا اعتدنا طرحه بعد كل كارثة تقع داخل مؤسسة. نسأل عادة: ألم يكن في الغرفة من يعترض؟ والوثائق المنشورة اليوم تقول إن المعترضين كانوا موجودين، وإن بعضهم قال اعتراضه في حضور الرئيس أو كتبه إليه مباشرة. فالسؤال الذي يستحق الفحص شيء آخر: ماذا يحدث للاعتراض في المسافة بين الفم الذي قاله واليد التي توقّع القرار؟
وعليّ أن أحدّد ما أعنيه بالوصول. للاعتراض ثلاث درجات: أن يوجد، وأن يبلغ صاحب القرار، وأن يدخل إجراءً يُلزم بمناقشته والرد عليه وتوثيق ما انتهى إليه. بعض الاعتراضات في خليج الخنازير لم يتجاوز الدرجة الأولى، وبعضها بلغ الثانية. أما الثالثة فلا تُظهر الوثائق المتاحة أن أيًّا منها بلغها، وهي ما أقصده بالوصول في هذا المقال.
اعتراضات مكتوبة، وقرار لم يتغيّر
في الحادي والثلاثين من مارس 1961 كتب تشستر بولز، وكيل وزارة الخارجية، إلى وزيره دين راسك مذكّرة يعارض فيها العملية، وينقل فيها ما بدا له اتفاقًا بين أكثر الناس اطلاعًا على العملية: أن فرص نجاحها «لا تزيد على واحد من ثلاثة». ولم يوجّهها إلى الرئيس؛ اقترح على راسك، إن وافقه الرأي، أن يحمل الاعتراض إلى الرئيس بنفسه، وكتب: «أظن أن صوتك سيكون حاسمًا».
وفي مساء الرابع من أبريل اجتمع الرئيس في وزارة الخارجية بأعضاء هيئة الأركان ومن يشاركون في التخطيط للعملية. تكلّم السيناتور فولبرايت، وكان قد دُعي إلى الاجتماع، ضد الخطة، وسجّل ملخّص الجنرال غراي أن الوزير راسك عارضها أيضًا.
وفي اليوم التالي كتب آرثر شليزنغر، المساعد الخاص للرئيس، مذكّرة إلى كينيدي يذكر فيها أن الرئيس سأله عن رأيه بعد الاجتماع، وفيها جملة لا تحتمل التأويل: «أنا ضدها». وحذّر من أن الولايات المتحدة ستُحاسَب على العملية، وأن مكانتها سترتهن بنجاحها.
ثم جاء السابع عشر من أبريل. نزل نحو ألف وأربعمئة من المنفيين الكوبيين على الساحل الجنوبي للجزيرة، وبعد يومين انتهى كل شيء: استسلم قرابة ألف ومئتين منهم، وقُتل أكثر من مئة.
لا أقول إن هؤلاء المعترضين أصابوا في كل ما قالوه، ولا إن الإصغاء إليهم كان سيمنع الكارثة حتمًا. ولا أزعم أن ما أدرسه هنا يفسّر الهزيمة العسكرية؛ فتقرير تايلور نفسه يعدّد لها أسبابًا، من القيود السياسية على التنفيذ إلى مشكلات الدعم الجوي وافتراضات العمليات. ما أدرسه أضيق من ذلك: كيف تعاملت المؤسسة مع الاعتراض وهي تتخذ قرارها. والوثائق في هذا واضحة: كان الاعتراض موجودًا، مكتوبًا ومنطوقًا، وبعضه قيل في حضور الرئيس، ومع ذلك مضى القرار، ولا تُظهر الوثائق أن أحدًا طُولب بأن يجيب عن هذه الاعتراضات جوابًا مسجّلًا.
ثلاثة مسارات تعطّل فيها الاعتراض
حين أقرأ هذه الأوراق معًا أرى ثلاثة مسارات مختلفة تعطّل فيها الاعتراض. بعض ما سأقوله ثابت في الوثائق، وبعضه تفسير أقترحه، وسأميّز بينهما.
الأول أن يذوب الاعتراض في القبول. الثابت أن هيئة الأركان قبلت الخطة المعدّلة، وأن قبولها قُرئ موافقة. أما لماذا قبلت، فلا تجيب الوثيقة صراحة. وأرجّح أن القبول كان ما يُنتظر منها في تلك اللحظة، وهو تفسير يحتاج إلى دليل أوسع. وفي تراثنا الفقهي قاعدة قديمة دوّنتها مجلة الأحكام العدلية ثم دخلت قوانين مدنية عربية حديثة: «لا يُنسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان». ولا أستعملها هنا حكمًا قانونيًا على ما جرى، فقبول الخطة فعل وليس سكوتًا محضًا. أستعملها للمقارنة: الفقهاء احتاجوا إلى قاعدة تحدّد متى يُعدّ الصمت قبولًا، أما المؤسسة في واشنطن فقرأت قبول أهل الاختصاص موافقةً، ولا تُظهر الوثائق أنه كان لديها إجراء يسألهم صراحة: أموافقون أنتم، أم أنكم تقبلون فحسب؟
الثاني أن يسلك الاعتراض قناة شخصية لا تُلزم أحدًا. بولز كتب إلى رئيسه المباشر وترك له أن يقرّر هل يحمل الاعتراض أم لا. وشليزنغر بلغ رأيُه الرئيسَ نفسه، لأن الرئيس سأله. كلا الاعتراضين وصل إلى شخص. لكن تقرير تايلور يلاحظ أن فهم هيئة الأركان لعناصر أساسية من الخطة جاءها من إحاطات شفوية «في غياب وثائق مكتوبة»، ويوصي باعتماد إجراء رسمي مع حفظ وافٍ لسجلّ القرارات. ومعنى ذلك أن الإجراء الذي يُدرج فيه الاعتراض فلا يُتّخذ القرار قبل الفصل فيه لم يكن، على ما يبدو من توصية التقرير نفسه، قائمًا على النحو الذي تتطلبه عملية بهذا الحجم.
الثالث أن يأتي الاعتراض من خارج الدائرة المسؤولة. فولبرايت سيناتور دُعي إلى الاجتماع، ولا يحمل مسؤولية تنفيذية عن العملية. لا أملك دليلًا على أن رأيه أُهمل بسبب صفته، لكن صفته تطرح سؤالًا: أين موقع اعتراض كهذا في إجراءات القرار، ومن المطالَب بالرد عليه؟
لم تكن المشكلة في الحالات الثلاث مشكلة شجاعة. كان بين المعترضين وكيل وزارة ومساعد للرئيس وسيناتور ووزير خارجية. المشكلة، بقدر ما تكشفه الوثائق، أن الاعتراض لم يكن له عنوان في الإجراء: لا محضر يُلزم بالرد عليه، ولا لحظة يتوقف عندها القرار حتى يُفصل فيه.
ماذا أوصت المؤسسة نفسها؟
اللافت أن مجموعة تايلور، حين بحثت عن العلاج، لم توصِ بموظفين أشجع ولا برئيس أكثر تواضعًا. أوصت بما يشبه أعمال السباكة في الإدارة: أن تبدأ أي عملية من هذا النوع ببيان أوّلي لسياسة الحكومة يحدّد المهمة وضوابطها، وأن يُعتمد «إجراء رسمي للتنسيق بين الوزارات والمتابعة، مع حفظ وافٍ لسجلّ القرارات».
وأحسب هذه أهم ما في المذكّرة، وإن جاءت بلغة تقنية باردة. فغياب التوثيق لا يمنع التصحيح، لكنه يجعله أصعب، لأن ما لم يُكتب يصعب أن يُسأل عنه بعد ذلك. والمذكّرة نفسها تكشف أن أحد الافتراضات الكبرى للخطة، وهو أن القوة تستطيع إن تعثّرت أن تتحول إلى حرب عصابات، «لم يكن متاحًا في الواقع» في الظروف التي نشأت. ولا أجد في الوثائق التي بين يدي ما يدل على أن افتراضًا بهذا الحجم خضع لدفاع مكتوب أمام من يشكّ فيه، وإن كان غياب الدليل لا يثبت وحده أن ذلك لم يحدث.
هنا يتصل هذا المقال بما كتبته في «الاعتراف الذي لا يغيّر شيئًا». هناك سألت عن المؤسسة بعد الخطأ: ما الذي صار ممكنًا بعد أن اعترفت؟ وهنا أسأل عنها قبل الخطأ: أين يذهب الاعتراض حين يُقال؟ والسؤالان يتعلقان بالمساءلة نفسها، أحدهما قبل القرار والآخر بعد وقوع الخطأ. فالمؤسسة التي لا تعطي الاعتراض عنوانًا قبل القرار قد تجد نفسها، بعد الكارثة، تعترف بخطأ كان مكتوبًا في أدراجها.
اعتراضان على هذه القراءة
الأول جادّ، ويأتي من داخل البحث الأكاديمي. اشتهرت هذه الكارثة في علم النفس الاجتماعي بوصفها المثال الأوضح على ما سمّاه إرفنغ جانيس «التفكير الجمعي»: جماعة متماسكة تكتم الشك حرصًا على وحدتها. غير أن رودريك كرامر عاد بعد ربع قرن إلى الوثائق المفرج عنها والتواريخ الشفوية والمذكّرات، وخلص إلى أن الحرص على تماسك الجماعة كان أضعف أثرًا مما ظنّ جانيس، وأن كينيدي كان يزن خياراته أساسًا بحساب العواقب السياسية وخطر الخسارة في السمعة. فإن كان القرار سياسيًا في جوهره، فما جدوى الحديث عن طريق الاعتراض؟
هذا اعتراض يمكن أن يُقرأ في اتجاهين. فإن كان كينيدي قد سمع الاعتراضات ووازنها ثم رجّح الاستمرار بحساب سياسي واعٍ، فقد تكون المشكلة في الأولويات لا في غياب الإجراء، ولا يملك أي إجراء أن يُلزم رئيسًا بتغيير رأيه. أقبل هذا، وأحدّد دعواي بقدره. لا أزعم أن تسجيل الاعتراض والرد عليه كان سيغيّر القرار. أزعم أنه كان سيغيّر شروط الموازنة: حين يكون على صاحب القرار أن يكتب لماذا يمضي رغم اعتراض بعينه، يصير تجاهله قرارًا موثقًا يمكن مراجعته ومساءلة صاحبه عنه، لا صوتًا يتبدد في الغرفة. والحساب السياسي الثقيل، كتكلفة التراجع عن خطة بدأ الإعداد لها في عهد أيزنهاور وأجازها رئيس جديد في شهره الثاني، هو بالضبط ما يضع الاعتراض الذي لا يُلزم أحدًا بالرد في موقع ضعيف.
والثاني عملي: لو أُلزم صاحب القرار بالرد على كل اعتراض قبل أن يمضي، لما مضى في شيء. وهذا صحيح إن أُخذ الكلام على إطلاقه. لا أتحدث عن كل رأي يُقال في ممر؛ أتحدث عن اعتراض يصدر ممن كُلّف بتقدير العملية أو تنفيذها، ويمسّ افتراضًا تقوم عليه، كتفضيل هيئة الأركان أو افتراض الانسحاب إلى حرب العصابات. والحد الأدنى لإجراء كهذا ثلاثة أمور: أن يُسجَّل الاعتراض، وأن يكتب صاحب القرار رده عليه ولو كان: نعلم، ونمضي مع ذلك لهذه الأسباب، وأن تُحدَّد جهة تراجع هذا السجل بعد التنفيذ. ومن دون الأمر الثالث يتحول الإجراء إلى ورقة امتثال تُملأ ثم تُنسى. تكلفة سطر كهذا في المحضر زهيدة. أما ثمن العملية فكان قرابة ألف ومئتي أسير، ولا أدّعي أن ذلك السطر كان سينقذهم، لكن غيابه جعل من الصعب أن يُسأل أحد بعد ذلك: لماذا مضيتم وأنتم تعلمون؟
ويبقى أن جودة الإجراء غير مشروعية القرار. قد يُتّخذ قرار بإجراء محكم موثّق، ويبقى مع ذلك غير مشروع أخلاقيًا أو قانونيًا. ومذكّرة بولز نفسها لم تقف عند فرص النجاح، بل نبّهت إلى أن العملية تخالف التزامات الولايات المتحدة في ميثاق منظمة الدول الأمريكية. ما أناقشه هنا هو السؤال الأول وحده، ولا أعدّه بديلًا عن الثاني.
السؤال الذي يبقى
ما يعنيني في خليج الخنازير ليس أن رئيسًا أخطأ؛ فالرؤساء يخطئون. يعنيني أن الخطأ كان معروفًا لأناس داخل الحكومة نفسها، قالوه في حضور الرئيس وكتبوه بأسمائهم وتواريخهم، ولا تُظهر الوثائق إجراءً ألزم أحدًا بالرد عليه قبل أن يُتّخذ القرار. والمؤسسات التي تطمئن إلى أن فيها معترضين تخلط بين وجود الاعتراض ووصوله.
لذلك أقترح على من يعمل داخل مؤسسة أن يسأل بعد كل قرار كبير، قبل أن يسأل عن صوابه: الاعتراض الذي قيل قبل هذا القرار، أين هو الآن؟ أفي محضر يحمل ردًّا عليه، أم في ذاكرة من قاله وحده؟
المصادر
1. Foreign Relations of the United States, 1961–1963, Vol. X, Cuba, 1961–1962, Document 233: Memorandum No. 3 From the Cuba Study Group to President Kennedy, June 13, 1961. Office of the Historian, U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1961-63v10/d233
2. المصدر نفسه، Document 75: Memorandum From the Under Secretary of State (Bowles) to Secretary of State Rusk, March 31, 1961. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1961-63v10/d75
3. المصدر نفسه، Document 80: Editorial Note (اجتماع 4 أبريل 1961 في وزارة الخارجية، وملخّص الجنرال غراي). https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1961-63v10/d80
4. المصدر نفسه، Document 81: Memorandum From the President's Special Assistant (Schlesinger) to President Kennedy, April 5, 1961. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1961-63v10/d81
5. John F. Kennedy Presidential Library and Museum, "The Bay of Pigs". https://www.jfklibrary.org/learn/about-jfk/jfk-in-history/the-bay-of-pigs
6. Irving L. Janis, Victims of Groupthink (Boston: Houghton Mifflin, 1972).
7. Roderick M. Kramer, "Revisiting the Bay of Pigs and Vietnam Decisions 25 Years Later: How Well Has the Groupthink Hypothesis Stood the Test of Time?", Organizational Behavior and Human Decision Processes 73, no. 2–3 (1998): 236–271.
8. مجلة الأحكام العدلية، المادة 67: «لا يُنسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان»؛ ومن تقنيناتها المعاصرة المادة 135 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي.
9. عمار مرعي، «الاعتراف الذي لا يغيّر شيئًا». https://amarmurray.com/writing/recognition-that-changes-nothing/
ملاحظة: ترجمة الاقتباسات من الوثائق الإنجليزية إلى العربية من عمل الكاتب.