العودة إلى المقالات
بيانات المقال

الإتاحة العامة على هذا الموقع: .

متى تنقلب القيمة على مقصدها؟

في الفرق بين التضحية المشروعة بقيمة وانقلابها على من وُضعت لحمايتهم

لا تعيش القيم منفردة. العدالة تزاحم السلم، والحرية تزاحم الأمن، والصدق يزاحم الرحمة. ومن يطلب نظامًا لا تتقدّم فيه قيمة على أخرى في أي موقف، يطلب نظامًا لا يقرّر شيئًا. فكل قرار جادّ يتضمن تضحية ما: قيمة صادقة تتراجع خطوة لتتقدّم أخرى.

غير أن التاريخ يعرف مواقف تشبه هذه في ظاهرها وتختلف عنها في حقيقتها: قيمة تُرفع باسم حماية الناس، ثم تنتهي إلى إيذاء من رُفعت لحمايتهم، أو إلى خدمة غيرهم. والصعب أن الحالتين تتشابهان ساعة القرار. ففي كلتيهما يقول صاحب القرار إنه يقدّم هذه القيمة على تلك لأن المصلحة تقتضي ذلك. فكيف نفرّق بين تزاحم مشروع بين قيمتين صادقتين، وبين قيمة بدأت تعمل ضد مقصدها؟

تناولتُ هذه الظاهرة على نحو أعمّ في محاضرة سابقة لم تُنشر بعد. أما هنا فأطرح سؤالًا أضيق وأقرب إلى الفحص: أمام قرار يقدّم قيمة على أخرى، ما القرائن التي كانت متاحة ساعة القرار، لا بعد وقوع الضرر، وتنبّهنا إلى أننا قد نكون أمام بداية انقلاب لا أمام تزاحم مشروع؟

ولا أدّعي أن هذه القرائن تعريف جامع مانع. فالانقلاب لا يثبت لمجرد أن الترجيح ألحق ضررًا، فكل ترجيح يلحق ضررًا بشيء. ما أقترحه أن احتمال الانقلاب يصير جديًا حين تجتمع ثلاث قرائن: أن يُحرم المتضرر من اعتراض ذي أثر، وأن يغيب قيد الضرورة والتناسب والمراجعة، وأن يختل توزيع الكلفة اختلالًا لا تقابله آلية مستقلة تعترف بالمتضررين وتحسب حقهم. وأعرض هذه القرائن على ثلاث حالات لا تنطبق عليها بالتساوي، والمقارنة بينها أولية لا أكثر.

حالة أولى: عفو بشرط

حين خرجت جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري، وقفت أمام مأزق صريح بين قيمتين صادقتين: العدالة تقتضي محاكمة من ارتكبوا الجرائم، والسلم الأهلي يقتضي ألا تتحول المحاكمات إلى حرب جديدة. فأنشأ قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة لعام 1995 لجنة الحقيقة والمصالحة، وخوّلها منح العفو عن أفعال ارتُكبت بين 1960 و1994.

ولم يكن العفو مطلقًا. اشترط القانون أن يكون الفعل مرتبطًا بهدف سياسي، وأن يفصح طالب العفو إفصاحًا كاملًا عن الوقائع ذات الصلة، وألزم لجنة العفو، في الطلبات التي تُعقد لها جلسات، بأن تُبلغ الضحايا بموعد الجلسة وبحقهم في حضورها والشهادة فيها. وتلقت لجنة العفو 7115 طلبًا، فُصل في أكثرها في غرفة المداولة دون جلسة علنية لأنها لم تتعلق بانتهاكات جسيمة، ورُفض أكثرها.

ثم طعن ذوو ضحايا، ومعهم منظمة AZAPO، في دستورية العفو أمام المحكمة الدستورية، ورأوا فيه مصادرة لحقهم في التقاضي، إذ لم يُسقط القانون المسؤولية الجنائية وحدها بل المدنية أيضًا. فنظرت المحكمة في الطعن وأيّدت القانون في يوليو 1996. ولا يثبت هذا الحكم أن حق الضحايا حُمي حماية كافية. ما يثبته أضيق من ذلك: أن الطعن أمكن تقديمه، وأنه فُصل فيه بحكم مسبَّب، وأن القانون نفسه فرض على الجاني شرطًا هو أن يقف ويروي ما فعل.

ولا أقول إن التسوية نجحت. فقد أوصت اللجنة بمنح سنوية للضحايا مدة ست سنوات، فاكتفت الحكومة بعد تأخير بدفعة واحدة قدرها ثلاثون ألف راند لنحو واحد وعشرين ألف ضحية مسجّل. وما زال كثير من الضحايا يرون في التجربة تسوية على حسابهم. لكن هذا النقد نفسه متاح لأن التسوية كانت مكشوفة: مكتوبة، ومشروطة، ومطعونًا فيها، ومعروفًا من دفع ثمنها.

حالة ثانية: حماية بالإكراه

في الثاني من مايو 1927 أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها في قضية Buck v. Bell بأغلبية ثمانية قضاة مقابل واحد، فأقرّت قانونًا لولاية فرجينيا صدر عام 1924 يجيز التعقيم القسري لمن تعدّهم الدولة «ضعاف العقول». والصحة العامة قيمة مشروعة في ذاتها، لكن الحكم لم يستند إليها مجردة، بل إلى تأويل بعينه لها هو تحسين النسل، وما يحمله من أحكام طبقية على من يستحق أن يُنجب. واستند القاضي أوليفر وندل هولمز إلى سابقة التطعيم الإلزامي: إذا جاز للدولة أن تُلزم الناس باللقاح حماية للجماعة، جاز لها أن تقطع قناتي فالوب لامرأة للغاية نفسها. وختم بجملته المشهورة: «ثلاثة أجيال من البلهاء تكفي».

ووُجدت قوانين من هذا النوع، في وقت أو آخر، في ثلاث وثلاثين ولاية، وعُقّم بموجبها أكثر من ستين ألف أمريكي، منذ أول قانون في إنديانا عام 1907 حتى منتصف السبعينيات. أما كاري باك نفسها، فقد انتهى المؤرخ بول لومباردو إلى أن الأدلة على ضعف عقلها كانت شبه معدومة، وأن ابنتها، «الجيل الثالث» في عبارة هولمز، كانت تنال درجات مدرسية مقبولة.

وقد مرّت قضية كاري باك بالمحاكم، وكان لها محامٍ. لكن لومباردو كشف أن محاميها، إرفنغ وايتهيد، كان من أقرب أصدقاء أوبري سترود، محامي الطرف الآخر، وأنه ذهب بعد خسارته إلى مجلس المستعمرة يتباهى بأن القضية في وضع ممتاز للمضي إلى المحكمة العليا. ويذكر أرشيف تحسين النسل في مختبر كولد سبرنغ هاربر، ومجلة نقابة محامي فرجينيا، أنه لم يقدّم دليلًا ولا شاهدًا لصالحها في المحاكمة الأولى. والصداقة وحدها لا تثبت شيئًا، لكن علاقة المحامي بالطرف المقابل، مع سلوكه الموثق في المحاكمة، تثير شكوكًا جدية في استقلال الدفاع وفعاليته. أي أن الإجراء استوفى شكله، بينما بقي مضمونه موضع شك جدي.

حالة ثالثة: عفو بلا شرط إفصاح

ولئلا يبدو الفرق بين الحالتين الأوليين راجعًا إلى نوع الحق وحده، أي عفو في جهة وجسد في جهة، أضع حالة من جنس الأولى. ففي 18 أبريل 1978 أصدر المجلس العسكري الحاكم في تشيلي المرسوم بقانون 2191، فعفا عن الجرائم المرتكبة في ظل حالة الحصار بين 11 سبتمبر 1973 و10 مارس 1978. وهو عفو مكتوب، كالعفو الجنوب أفريقي، ومسوَّغ هو الآخر باسم المصالحة الوطنية. وشمل الفاعلين والشركاء والمتسترين، وشمل لفظه أيضًا معارضين حكمت عليهم المحاكم العسكرية، وأخرج من نطاقه طائفة من الجرائم العادية كالاغتصاب والسرقة بالعنف أو الكسر والاتجار بالمخدرات، وقضية بعينها كانت منظورة أمام القضاء العسكري. لكنه لم يشترط إفصاحًا ولا اعترافًا، ولم يُنشئ آلية تنظر في كل حالة على حدة، وكان أثره الأبرز تحصين من ارتكبوا الانتهاكات في ظل السلطة التي أصدرته من الملاحقة.

ويحسن هنا التمييز بين اللحظات. ساعة صدور المرسوم لم يكن ثمة برلمان يناقشه، فقد كانت سلطة التشريع في يد المجلس العسكري نفسه. وبعد صدوره كانت المحاكم تطبّقه فتحفظ القضايا، بل إن المحكمة العليا التشيلية أكدت دستوريته في أغسطس 1990، بعد عودة الحكم المدني. ولا أحكم هنا في مدى استقلال القضاء التشيلي في ممارسته خلال تلك السنوات. أما حكم محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان سنة 2006، في قضية Almonacid-Arellano، بأن تطبيقه لمنع المساءلة يخالف الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، فهو تقييم لاحق، لا دليل على أن الاعتراض كان ممكنًا عام 1978.

هنا يظهر أن الكتابة وحدها لا تصنع الفرق. عفوان مكتوبان، كلاهما باسم السلم، يفترقان في القرينتين الأوليين افتراقًا واضحًا: أحدهما أقرّه برلمان منتخب، واشترط الإفصاح، وفتح جلساته للضحايا، وكان الطعن فيه متاحًا أمام محكمة دستورية قائمة؛ والآخر أصدرته السلطة التي ارتُكبت الجرائم في ظلها، بلا شرط إفصاح، ولا جهة تُعرض عليها دستوريته غير قضاء يعمل في ظلها.

ثلاث قرائن

لا يكفي أن نقول إن التسوية الأولى تزاحم وإن الحالتين الأخريين انقلاب لأن نتائجهما كانت أسوأ. نحتاج إلى قرائن مرتبطة بساعة القرار، وإلى قاعدة لكل قرينة تُعلَن قبل النظر في الحالات. وقبل القرائن قاعدة للزمن نفسه، وفيها تمييز لا بد منه. فما كان قائمًا ساعة القرار شيء، وما كان متاحًا لأطرافه شيء آخر. الأول هو خصائص القرار والجهات التي تطبّقه كما كانت موضوعيًا، في نصه وتكوين تلك الجهات ومحاضر جلساتها، ولو لم يكشفه المؤرخون إلا بعد عقود. والثاني هو ما كان يعرفه فعلًا، أو يستطيع أن يعرفه، المتضرر ومن يريد الاعتراض عنه. والوثيقة المحفوظة في أرشيف طرف واحد قائمة بالمعنى الأول، لكنها ليست إنذارًا متاحًا بالمعنى الثاني. فإن أردنا القرائن أداة تنبّه صاحب القرار ومعارضيه في حينه، فلا يُحسب منها إلا الثاني. وإن أردنا اختبارها على التاريخ، رمّزنا الأمرين وفصلنا بينهما. أما ما وقع بعد القرار، من طعون فُصل فيها وأحكام صدرت وتعويضات دُفعت، فلا يدخل في الحكم على القرينة، بل يُستعمل للتحقق منه: هل كان الطريق الذي بدا مفتوحًا مفتوحًا فعلًا؟

القرينة الأولى: هل بقي للاعتراض أثر ممكن؟ ولا يُقاس هذا بالنتيجة، أي بأن يربح المعترض، وإلا صار الحكم دائريًا. يُقاس بمؤشرات سابقة للنتيجة: تمثيل مستقل عن الطرف الآخر، واطلاع على الأدلة، وطريق فعلي للطعن، وردّ مسبَّب على الاعتراض، وإمكان مراجعة القرار لاحقًا. وهذه المؤشرات لا تقع كلها في لحظة واحدة ولا في مستوى واحد، فينبغي التمييز بين الاعتراض على القرار نفسه قبل صدوره أو بالطعن فيه بعده، والاعتراض في تطبيقه على كل حالة. أما القدرة على الإنصاف فسؤال القرينة الثالثة لا الأولى. في جنوب أفريقيا أقرّ القانونَ برلمانٌ منتخب، بعد مفاوضات يقول التقرير النهائي للجنة إنها شملت نقاشًا عامًا واسعًا، لكن ذلك لا يثبت أن الضحايا كان لهم أثر في تصميم التسوية نفسها. وساعة صدوره كان الطعن في دستوريته قائمًا ومعروفًا، لأن الدستور المؤقت لعام 1993 أنشأ محكمة دستورية تنظر في دستورية قوانين البرلمان. وكان الاعتراض في الطلب الفردي مقررًا في نص القانون نفسه، بحق الضحايا في حضور الجلسة والشهادة فيها، وإن كان أكثر الطلبات قد فُصل فيه دون جلسة لأنه لم يتعلق بانتهاكات جسيمة. وما جاء بعد ذلك تحقق لاحق: فقد قُدّم الطعن في القانون وفُصل فيه بحكم مسبَّب عام 1996، ولو خسره الطاعنون، وقُدّمت إلى المحاكم ثماني طلبات لمراجعة قرارات لجنة العفو حتى إعداد تقريرها، نجح اثنان منها وأعيدا إلى اللجنة. وفي قضية كاري باك اهتز أول المؤشرات، وهو استقلال التمثيل، في المحاكمة نفسها عام 1924. لكن هذا مما كان قائمًا لا مما كان متاحًا: فلم يُكشف إلا بعد عقود، ولم يكن في وسع كاري باك أن تعرفه. أما ما كان متاحًا في حينه فهو نص القانون الذي يترك تعريف «ضعف العقل» للجهة التي تطبّقه، وهذا من شأن القرينة الثانية. وفي تشيلي لم يكن قبل المرسوم برلمان يُعترض أمامه، ولم تكن بعده جهة مستقلة عن المجلس العسكري تُعرض عليها دستوريته، وكلا الأمرين كان معلومًا للجميع. وتأكيد المحكمة العليا دستوريته عام 1990 تحقق لاحق يدل على أن العائق لم يكن نظريًا.

القرينة الثانية: هل التراجع مقيّد؟ والقيد هنا ثلاثة أشياء: أن تكون الوسيلة مرتبطة بالغاية ارتباطًا يمكن البرهنة عليه، وأن يكون الضرر ضروريًا ومتناسبًا ولا بديل أخف منه، وأن يخضع القرار لمراجعة. العفو الجنوب أفريقي قُيّد بفترة زمنية، وبطبيعة الفعل، وبشرط هو الإفصاح الكامل، وأمكن إخضاعه لمراجعة قضائية. لكن وجود هذه القيود لا يثبت الضرورة والتناسب. فكون العفو بندًا في التسوية التفاوضية نصّت عليه خاتمة الدستور المؤقت لعام 1993 يدل على أن المتفاوضين رأوه شرطًا للانتقال، ولا يبرهن وحده على أنه لم يكن ثمة بديل أخف ضررًا. والتناسب موضع نزاع: فقد أسقط القانون المسؤولية المدنية مع الجنائية، ولم يضع مكانها إلا جبرًا يُوصى به. فنجاح هذه الحالة في القرينة الثانية جزئي ومتنازع فيه، ولا أدّعي غير ذلك. أما قانون فرجينيا فبقي نافذًا حتى أُلغي عام 1974، ولم يحدّه إلا تعريف فضفاض لـ«ضعف العقل» تملكه الجهة التي تطبّقه. وأما المرسوم التشيلي فحدّه نطاق زمني وقائمة من الجرائم المستثناة، لكنه لم يربط العفو بأي ثمن يدفعه المنتفع، ولم يُخضع تطبيقه لنظر في كل حالة.

القرينة الثالثة: على من تقع الكلفة، ومن يجني الفائدة، وهل اعتُرف بالمتضررين وحُسب حقهم؟ وهذه قرينة لتوزيع الضرر، لا تعريف للانقلاب. ولأن كل قرار عام تقريبًا ينفع فئة ويكلّف أخرى، فلا يكفي لتحققها أن يختل التوزيع. أضع لها قاعدة قبل النظر في الحالات: تتحقق القرينة إذا اجتمع أمران. الأول أن تتحمل الفئة الموعودة بالحماية كلفة دائمة لا تربطها بالغاية وسيلة قابلة للفحص، أو أن يكون صاحب سلطة القرار ومن يخضعون لإمرته أول المنتفعين المباشرين منه. والثاني ألا يتضمن القرار نفسه، ولا يجد قائمة ساعة صدوره، آلية مستقلة عن صاحب القرار تعترف بالمتضررين وتقدّر حقهم وتجبره. ولا يكفي وجود الآلية على الورق: يُسأل عن استقلالها، أي من يعيّن أعضاءها، وهل يخضعون لصاحب القرار أو للمنتفعين منه، وهل تُراجع قراراتها جهة سياسية؛ ويُسأل عن فاعليتها، أي هل تملك أن تُلزم أم توصي فقط. وما يُنشأ بعد القرار بسنوات لا يُحسب له ساعة صدوره، وإن خفّف ضرره لاحقًا. أما البديلان في الأمر الأول فصورتان لاختلال واحد: أن تُحمَّل الكلفة على من وُعدوا بالحماية، أو أن تذهب الفائدة إلى من يملك القرار. فقد تقع كلفة قرار على الفئة الموعودة بالحماية نفسها دون أن يكون ذلك انقلابًا: الحجر الصحي المتناسب يقيّد المريض نفسه باسم الصحة، لكنه مؤقت، وله علّة يمكن فحصها، ويخضع لمراجعة من غير الجهة التي فرضته.

بهذه القاعدة تتحقق القرينة في فرجينيا: قُدّم التعقيم على أنه في مصلحة المعقَّم ومصلحة المجتمع معًا، ثم وقعت كلفته الدائمة على من خضعوا له، وكان التعقيم يبدأ بطلب من مدير المؤسسة التي يقيمون فيها ويقرره مجلسها، ثم يجوز الطعن أمام المحاكم، والدفاع أمام المحاكم موضع شك جدي. وتتحقق في تشيلي: كان أبرز المنتفعين من ارتكبوا الانتهاكات في ظل السلطة التي أصدرت العفو، ولم يُنشئ المرسوم آلية تعترف بالضحايا أو تنظر في حقهم. أما في جنوب أفريقيا فيتحقق الأمر الأول جزئيًا، إذ شمل المنتفعون أعضاء في الأطراف التي فاوضت على التسوية من الجانبين، أما الأمر الثاني فنتيجته مختلطة، والحكم فيه من نص القانون ساعة صدوره. فالقانون نفسه أنشأ لجنة عفو يرأسها قاضٍ، ونصّ على أن تعمل مستقلة عن أي حزب أو حكومة، ومنع اللجنة الأم من مراجعة قراراتها، وفتح جلساتها للضحايا. فالاعتراف بالضحايا، بمعنى سماع صوتهم ومواجهة الجاني أمامهم، توافر ساعة القرار، وإن كان هذا استقلالًا مقررًا في القانون لا أحكم هنا في مداه في الممارسة. لكن تقدير حقهم وجبره لم يكن بيد جهة تملك أن تُلزم: قرار لجنة العفو نافذ يُطلق الجاني، أما لجنة جبر الضرر والتأهيل فلا تملك بنص القانون إلا أن تقدّم توصيات إلى الرئيس، ينظر فيها ليوصي البرلمان. فإتاحة الصوت لا تساوي الإنصاف الموضوعي، والقرينة الثالثة هنا لا تنتفي انتفاءً محسومًا ولا تتحقق تحققًا كاملًا. وما جاء بعد ذلك يؤكد هذا الترميز ولا يصنعه: فقد وصف القاضي ديدكوت، في حكم المحكمة الدستورية نفسه الذي أيّد القانون، المقايضة بأنها إحلال «الاحتمال غير المحدد لجبر الضرر» محل «الواقع الملموس للدعاوى القانونية، حيثما وُجدت»، ثم جاء التعويض الفعلي دون ما أوصت به اللجنة. والفرق الذي يبقى بين هذه الحالة وتشيلي أن الكلفة هنا كُتبت وأُعلنت وأمكن الطعن فيها، باسم قيمة أخرى صُرّح بها هي السلم.

فالقرائن لا تنطبق بالتساوي على الحالات الثلاث. تبدو مجتمعة في فرجينيا وفي تشيلي، كل منهما من وجه. وفي جنوب أفريقيا توافرت الأولى ساعة القرار، والثانية جزئيًا، وجاءت الثالثة مختلطة: اعتراف إجرائي بالضحايا دون جبر ملزم لحقهم. ولا أستنتج من هذا أن القرائن تفسّر ما جرى أحسن من غيرها، فالحالات الثلاث اختيرت بعد معرفة ما انتهت إليه، وهي أمثلة توضح الفكرة لا شواهد تثبتها. وليست واحدة من القرائن كافية بذاتها. لكنها حين تجتمع تصير إنذارًا يُلزم صاحب القرار بأن يرد على الاعتراضات ردًا مسبَّبًا، وأن يوثّقها، وأن يفتح طريقًا لمراجعة قراره. ولا يكون تعليق القرار حتى يُجاب عنه هو الجواب الصحيح إلا حين يكون ضرره لا رجعة فيه، ولا تبلغ كلفة التأخير جسامته. ففي القرارات الانتقالية قد يكون التأخير نفسه باهظ الثمن، أما التعقيم فلا يُستدرك.

وقد تكشف الحالة الجنوب أفريقية صنفًا تحليليًا ثالثًا بين التزاحم المشروع والانقلاب: تسوية معلنة ذات شروط إجرائية، تُقر بالكلفة دون أن تضمن جبرها. ولعل الأدق أن تُسمى تسوية مكشوفة بكلفة غير مجبورة. والشرط الذي فُرض فيها على الجاني، وهو الإفصاح، شرط إجرائي لا ثمن يجبر الضحية، أما الكلفة غير المجبورة فبقيت على الضحايا. وهذا صنف وصفي يصف بنية مؤسسية، لا حكم معياري يبرئ أو يدين. ولا تدخله حالة إلا إذا اجتمعت فيها ثلاثة أمور: أن تكون الكلفة معلنة في نص القرار، وأن يُعترف بالمتضررين اعترافًا إجرائيًا يُسمع فيه صوتهم، وألا يكون لحقهم جبر ملزم. وبغير هذه الشروط يصير الصنف ملجأ لكل حالة مختلطة. ودخول حالة فيه لا يثبت وحده مشروعية التسوية ولا ينفي انقلابها. وإن صح أنه صنف قائم بذاته، فالسؤال عنه ليس هل انقلبت القيمة فحسب، بل من يحمل الدين بعد أن يمضي القرار.

كيف تُختبر هذه الفرضية؟

ما عرضتُه هنا مقارنة أولية بين ثلاث حالات منتقاة، لا اختبار. ولهذه الفرضية اختباران ينبغي ألا يُخلط بينهما.

الأول تنبؤي: هل تسبق القرائن الانتهاك وتنبّه إليه؟ ولكي لا يصير هذا الاختبار دائريًا، يجب أن تُعرَّف النتيجة دون الرجوع إلى القرائن. أقترح أن يُعدّ القرار قد انقلب على مقصده إذا ثبتت، من وثائق لاحقة، ثلاثة أمور معًا. الأول ضرر يبلغ حدًا من الجسامة يُعلن قبل الترميز، وهو أحد أمرين: مساس بالسلامة الجسدية لا رجعة فيه، أو حرمان من الانتصاف عن جرائم جسيمة. وأعني بالحرمان من الانتصاف أن ينسد على المتضرر طريقا الملاحقة الجنائية والدعوى المدنية معًا عن الفعل، دون جبر ملزم يقوم مقامهما، طوال أفق زمني يُعلن قبل الترميز، عشر سنوات مثلًا، يبدأ من تاريخ نفاذ القرار في حق المنتفع، أي من منح العفو الفردي أو من نفاذ العفو العام. وما توافر فيه جبر جزئي دون مقاضاة يُرمَّز في خانة مستقلة، حرمانًا جزئيًا، ولا يُضم إلى الحرمان ولا إلى عدمه. ولا يدخل في الضرر مجرد تقييد لحق أو أثر سلبي يصحب كل قرار قاسٍ. والثاني أن يقع هذا الضرر على الفئة الموعودة بالحماية أو على فئة محددة من المتضررين، لا على أفراد عرضًا. والثالث أن يُسند الضرر إلى القرار بدرجة معلنة: إسناد مباشر حين يكون الضرر هو ما يرتبه القرار بنصه، كالتعقيم الذي يجيزه والإعفاء من الملاحقة الذي يمنحه، ويكفي فيه إثبات التطبيق على الفئة؛ وإسناد غير مباشر حين يمر الضرر بوسائط أخرى، فلا يثبت إلا بمقارنة بحالات لم يُتخذ فيها القرار، ويُعطى وزنًا أدنى. ولا ينبغي أن يُخلط الأثر القانوني المباشر بالأثر التاريخي المباشر. فالأثر القانوني في الحالات الثلاث هنا مباشر: النص يجيز التعقيم، والنص يسقط الملاحقة. أما أن الضرر المقيس وقع بسبب النص، لا بسبب قرارات الادعاء أو القضاء أو عوائق كانت قائمة قبله، فيحتاج تتبعًا مستقلًا لكل حالة، وهو في تشيلي أشد حاجة، لأن عوائق أخرى أمام الملاحقة، كاختصاص القضاء العسكري، قد يكون لها أثر مستقل لا يحسمه نص المرسوم. ولا أُدخل في هذا التعريف أمرين: الحكم بعدم مشروعية القرار، لأنه السؤال المعياري الذي يأتي أدناه، ولو أُدخل لصار الاختباران اختبارًا واحدًا؛ ومدى تحقق الغاية المعلنة، لأنه سؤال ثالث يُقاس منفصلًا، فقد يحقق القرار غايته ويؤذي من وُعدوا بالحماية في الوقت نفسه. ثم يحتاج الاختبار الجاد عينة مستقلة من قرارات الترجيح بين القيم لم تُختر بسبب نتائجها، وترميزًا للقرائن بقاعدة الزمن المذكورة، يفصل فيه ما كان متاحًا لأطراف القرار عما كان قائمًا ولم يُعرف إلا لاحقًا، يقوم به من لا يعرف ما انتهت إليه، حتى لا يُقرأ في القرار إنذار لم يظهر إلا لاحقًا، وترميزًا للنتيجة يقوم به فريق آخر لا يطّلع على ترميز القرائن. عندئذ تسقط الفرضية إن لم يكن اجتماع القرائن المتاحة أكثر تواترًا قبل الانتهاكات منه قبل غيرها، وتنقص إن تكررت تسويات مكشوفة مقيدة، توافرت فيها مؤشرات الاعتراض المؤثر، ثم انقلبت مع ذلك على مقصدها. وأنا أريد أن أعرف هذه الحالات إن وُجدت.

والثاني معياري: هل كان القرار جائزًا أصلًا؟ وهذا لا تحسمه القرائن. فقد يُتخذ قرار بإجراء محكم، فيه طعن وتسبيب ومراجعة، ويبقى ظالمًا في موضوعه. وقد ينجح قرار في تحقيق هدفه المعلن دون أن يثبت ذلك مشروعيته. القرائن تنبّه إلى الخطر، ولا تعفي من الحكم الأخلاقي.

اعتراضان

الاعتراض الأول: هذه قرائن إجرائية، والإجراءات تُستوفى شكلًا. وقضية كاري باك نفسها مثال على ذلك: محامٍ، وجلسات، وحكم من أعلى محكمة. وهذا اعتراض في محلّه، ولذلك لم أجعل القرينة الأولى «هل عُقدت جلسة؟» بل «هل كان التمثيل مستقلًا، والطعن فعليًا، والرد مسبَّبًا؟». وواقعة وايتهيد تبيّن الفرق: الشكل كان مستوفى، والمضمون موضع شك جدي. ولهذا تعمل القرائن الثلاث معًا، لا كل واحدة منفردة.

الاعتراض الثاني: هذا حكم بأثر رجعي. ففي عشرينيات القرن الماضي حظي تحسين النسل بتأييد مؤثر لدى نخب علمية وقانونية. وهذا صحيح في وصف المناخ، لكنه لا يلغي القرائن. فلم يكن الإجماع تامًا: خالف القاضي بيرس بتلر الأغلبية في الحكم نفسه، ووُجد معارضون لهذه السياسات خارج المحكمة. وكانت معطيات القرائن متاحة عام 1927 لمن أراد أن يراها: نص القانون نفسه يترك تعريف «ضعف العقل» للجهة التي تطبّقه، ومن يخضعون له نزلاء مؤسسات الدولة. أما أن اعتراض كاري باك لم يجد من يحمله بقوة، فهو استنتاج تاريخي يرجّحه ما وثقه لومباردو بعد عقود، لا حكم صدر في حينه، ولذلك لا أبني عليه الرد على هذا الاعتراض. ولم يكن ما ينقص أن تُتاح هذه المعطيات، بل أن تُعدّ مهمة.

خاتمة

ليست كل تضحية بقيمة خيانة لها. فالمجتمع الذي لا يقبل أن تتراجع قيمة أمام أخرى لا يستطيع أن يقرر شيئًا. لكن ثمة فرقًا بين قيمة تتراجع وهي حاضرة، يُسمع صوتها ويُحسب ثمنها، وقيمة تُطرد من الحساب، ثم يُرتكب باسم شقيقتها ما وُضعت هي لمنعه. وبينهما منطقة لا يكفي فيها أن يُسمع الصوت ما لم يُقضَ الدين.

ومن يقف أمام قرار يقدّم قيمة على أخرى يستطيع، قبل أن يسأل عن صواب الترجيح، أن يسأل ثلاثة أسئلة: إن اعترض المتضرر، فمن يحمل اعتراضه، ومن يلزمه أن يرد عليه؟ وما الذي يقيّد هذا القرار ويجعله قابلًا للمراجعة؟ ومن سيدفع ثمنه، ومن سيجني ثمرته، ومن غيرُ صاحب القرار يملك أن يقضي حق من يدفع؟

المصادر

1. Buck v. Bell, 274 U.S. 200 (1927); Embryo Project Encyclopedia, Arizona State University, "Buck v. Bell (1927)". https://supreme.justia.com/cases/federal/us/274/200/ https://embryo.asu.edu/pages/buck-v-bell-1927

2. Paul A. Lombardo, Three Generations, No Imbeciles: Eugenics, the Supreme Court, and Buck v. Bell (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2008).

3. Paul Lombardo, "Carrie Buck's lawyer working against her interests", DNA Learning Center, Cold Spring Harbor Laboratory. https://dnalc.cshl.edu/view/15236-Carrie-Buck-s-lawyer-working-against-her-interests-Paul-Lombardo.html

4. DNA Learning Center, "Irving Whitehead, the lawyer appointed to represent Carrie Buck, called no witnesses at her trial in Amherst County, Virginia"; DNA Learning Center, "Irving Whitehead, still image with audio" ("presenting no witnesses"); Virginia Lawyer (Virginia State Bar), June/July 2013, p. 30 ("I. P. Whitehead did not introduce any evidence or call any witnesses"). https://dnalc.cshl.edu/view/12179-Irving-Whitehead-the-lawyer-appointed-to-represent-Carrie-Buck-called-no-witnesses-at-her-trial-in-Amherst-County-Virigina.html https://dnalc.cshl.edu/view/15831-Irving-Whitehead-still-image-with-audio.html https://virginialawyer.vsb.org/va-lawyer-jun-jul-2013/page-30

5. Eugenics Archive, "Eugenic Sterilization Laws". https://eugenicsarchive.org/html/eugenics/essay8text.html

6. Claude Moore Health Sciences Library, University of Virginia, "Eugenics: Three Generations, No Imbeciles", Epilogue. https://exhibits.hsl.virginia.edu/eugenics/5-epilogue

7. Promotion of National Unity and Reconciliation Act 34 of 1995 (South Africa), assented to 19 July 1995, sections 1(2), 4(f), 5(e), 17, 19(3), 19(4), 20(7), 25(1)(b), 27 and 36; Constitution of the Republic of South Africa Act 200 of 1993, Chapter 7 (Constitutional Court) and Postamble "National Unity and Reconciliation". https://www.saflii.org/za/legis/num_act/ponuara1995477/

8. Truth and Reconciliation Commission of South Africa Report, Volume 1, Chapter 5, paras. 9 and 59; Volume 6, Section 1, Chapter 2, paras. 26 and 69, and Chapter 3, para. 4. https://www.polity.org.za/polity/govdocs/commissions/1998/trc/1chap5.htm https://www.gov.za/sites/default/files/gcis_document/201409/trc0.pdf

9. Truth and Reconciliation Commission, "Amnesty applications" (statistics as at 15 November 1999), statement of 9 December 1999. https://www.polity.org.za/polity/govdocs/pr/1999/pr1209d.html

10. Azanian Peoples Organization (AZAPO) and Others v President of the Republic of South Africa and Others, [1996] ZACC 16, 1996 (4) SA 671 (CC), 25 July 1996, paras. 3, 46–47, and para. 65 (Didcott J). https://www.saflii.org/za/cases/ZACC/1996/16.html

11. Decreto Ley N° 2.191, Concede amnistía, Diario Oficial, 19 de abril de 1978. https://www.cooperativa.cl/noticias/site/artic/20140911/asocfile/20140911191144/dl_2191_19_abr_1978.pdf

12. Inter-American Commission on Human Rights, Report No. 34/96, Cases 11.228 et al. (Chile), 15 October 1996, paras. 4 and 105. https://hrlibrary.law.umn.edu/cases/1996/chile34-96.htm

13. Equipo Nizkor, sobre la sentencia de la Corte Suprema de Chile (agosto de 1990) que declaró constitucional el Decreto Ley 2.191. https://derechos.org/nizkor/chile/doc/amnistia4.html

14. Corte Interamericana de Derechos Humanos, Caso Almonacid Arellano y otros vs. Chile, Sentencia de 26 de septiembre de 2006, Serie C No. 154, párrs. 119, 122, 145 y 151; Resumen oficial de la sentencia; Resolución de supervisión de cumplimiento, 18 de noviembre de 2010, considerando 13 (puntos resolutivos 5 y 6). https://www.corteidh.or.cr/docs/casos/articulos/seriec_154_esp.pdf https://www.corteidh.or.cr/docs/resumen/almonacid_arellano.pdf https://www.corteidh.or.cr/docs/supervisiones/almonacid_18_11_10.pdf

15. عمار مرعي، «باثولوجيا الميزان»، محاضرة ضمن سلسلة المدرسة القيمية، 2026 (غير منشورة).

16. عمار مرعي، «حين لا تكفي المبادئ الحسنة». https://amarmurray.com/writing/when-principles-are-not-enough/

ترجمة الاقتباسات من المصادر الإنجليزية والإسبانية إلى العربية من عمل الكاتب.