تراث الأمة والثورات
عمار مرعي
بعد أن توقفت عن الرحلات في آلة الزمن وجعلت استراحتي فرصة لكتابة الملاحظات عن الرحلات السابقة، قررت أن الوقت قد حان لمتابعة الرحلات وخاصة أن سؤالاً أخذ يتشكل في ذهني، هذا السؤال يمكن تلخيصه كما يلي :(لماذا الثورات ونتائجها مختلفة من شعبٍ الى أخر فقد تجد شعوباً تقوم بثورتها فتحرق كل شيء حتى نفسها، بجنون ثوري غير منضبط بعقل أو حكمة، فهي ثورة غضب جامح وقد تجد شعوباً أخرى تحتاج إلى سنين طويلةً جداً حتى ترى معالم الهدوء والتطور قد بدأ، وبالمقابل هناك شعوب ثورتها تكون هادئة متزنة مرنة تحقق ما تريد دون ان تدمر ذاتها )بهذا السؤال قررت أن أُسافر في آلة الزمن كي أبدأ جولة جديدة من الرحلات أرى فيها جوانب مختلفة للثورة، المكان: مدينة بوردو الفرنسية، عام ١٧٤٨ -مشيت في شوارع بوردو حتى وصلت إلى مقهى جميل الهيئة قررت الدخول اليه داخل المقهى رجال تدل أشكالهم وطريقة كلامهم على مستوى ثقافي رفيع، شخصٌ يتكلم، الكل يستمع اليه، جلست على طاولةٍ بعيدة، كان يجلس عليها شخص واحد سألته -مرحبا سيدي المحترم هل يمكنني الجلوس -أجاب: طبعا تفضل - اغفر فضولي، هل يمكن أن أسأل، من هذا الشخص الذي يتكلم -الا تعرفه، اوه..
حسناً.. يبدو إنك جديد هنا إنه السيد مونتيسكو - مونتيسكو الفيلسوف؟ -أجل هو -اعذرني لازعاجك، سأنصت لما يقول مونيسكو.
مونتيسكومتكلماً، يشرح نظريته التي أودعها في كتابه روح القوانين: أيها السادة إن أشكال الحكم ثلاث -ملكية وفيها تورث السلطة ولكن ضمن حدود معروفة -وديكتاتورية ويحكم فيها الحاكم وحده دون حدود قانونية ويثبت حكمه بواسطة إرهاب المدنيين -والجمهورية وهي نظام يحكم فيه الشعب أو ممثلوه ولا ريب ان النظام الجمهوري هو الأمثل للحكم ولا بد من الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية نظر الرجل الذي بجانبي إلي: هل سمعت ما أجمل هذا الكلام أجل، إنه جميل، فمونتيسكو هو المؤسس والمؤثر الفعلي على دساتير الأنظمة الديمقراطية كلها ولكن هل هذا يعني أن الفلاح البسيط يحق له أن يصبح حاكماً -كلا ياسيدي يقول مونتيسكو إنه لا يجب الانتقال بين الطبقات في المجتمع ويعتقد أيضاً إن كل طبقة لها خصوصيتها ولوجودها أهمية في المجتمع.
هنا توقف الحوار وبدأ الناس بمغادرة الحانة وبدأت الصورة عندي تتجلى ان مونيسكو هو واحدٌ من الآباء الروحيين للثورة الفرنسية، واحد أبرز المؤثرين فيها وفي الثورات اللاحقة لذلك قررت أن أكثف حضوري عنده حتى أتفهم أكثر مقدار تأثير الأفكار على أحداث الثورة.
لقد تبنت الثورة فكر مونيسكو، ولكنها في ذات الوقت تبنت جانباً عنصرياً حاقداً، فأصبح البغض والحقد للمختلف ديدنا، ورأيناه يتجلى في قتل ثلاثمائة ألف فلاح ومحاكمات مرعبة يقول المؤرخ الفرنسي "بيير كارون" الذي أصدر عام (1935م) كتابًا عن المذابح التي حدثت في السجون الباريسية إبان عهد الثورة في ( 2 سبتمبر 1792م)..
يقول عن هذه المذابح: إن هذه المذابح كان لها طابع (شعائري) جارف، وقد بدأت بالهجوم على بعض السجون بزعم القضاء على بعض المؤامرات التي كانت تدبر فيها للإطاحة بالثورة، وأقام "الدهماء" من أنفسهم محكمين وقضاة ومحلفين في فناء هذه السجون، حيث كان السجناء يقدمون للمحاكمة واحدًا بعد الآخر فتوجه إليهم التهم ويحكم لهم أو عليهم ليس تبعًا للأدلة والشواهد؛ وإنما تبعًا لمظهرهم العام وسلوكهم وشخصيتهم بل وتكوينهم الجسدي.
كما كان أي تردد أو أي اضطراب يظهر على الشخص يعد دليلاً للإدانة وعلى ثبوت التهمة فيحكم عليه بالإعدام، وكان الذي يتولى المحاكمة وإصدار الحكم شخصًا عاديًا، كما كانت أحكامه تقابل بالتصفيق والصياح من الجماهير الذين تجمعوا من الشوارع المحيطة وأصبحوا بمثابة محلفين، وكان الشخص الذي يحكم ببراءته يؤخذ بالأحضان والتهنئة والقبلات ويطوفون به الشوارع، بينما كان الشخص الذي يحكم عليه بالإدانة يتم إعدامه طعنًا بالخناجر والسيوف وضربه بالهراوات الثقيلة ثم تنزع عنه ملابسه ويلقى بجسده فوق كومة من أجساد الذين سبقوه.
والغريب أن الذين كانوا يقترفون هذه المذابح كانوا يرتكبونها باسم الحرية وحقوق الإنسان والمواطن والعدالة والمساواة).....) يتبع
النشر الأصلي
نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 22 مايو 2018: قراءة المقال الأصلي.
© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.