العودة إلى المقالات
نص أرشيفي

من مرحلة سابقة من الكتابة والعمل الثقافي، يُعرض هنا بوصفه وثيقة من ذلك المسار، لا بوصفه صياغةً لمشروع المدرسة القيمية الحالي.

النشر الأصلي: 4 يونيو 2018 في أيام كندية.

قراءة المقال الأصلي

المؤرخ والثورة

البحث الثامن

عمار مرعي

بعد رحلاتي السابقة في الثورة الفرنسية وتفسيراتها وأفكارها واستطلاع آراء الفرقاء المختلفين المؤثرين في زمن الثورة، قررت أن أقف قليلًا قبل متابعة البحث في العقل العلمي والغيبي، وتأثيرهما في المجتمع والثورة، لأعرض بشكل سريع ومختصر آراء المؤرخين ومن كتبوا عن تلك المرحلة، فتكون فكرتنا عنها أكثر شمولًا وعمقًا.

لقد انقسم المؤرخون في رؤيتهم لتلك الثورة، فمنهم من رآها شرًا محضًا مدمّرًا. يقول دومستر: «إن عمل الشياطين لم يظهر في أي حين كما ظهر فيها». لقد كانت التفسيرات بالشكل العام عند المؤرخين المتقدمين متأثرةً بالمعتقدات السابقة أو وجهات النظر السياسية، فبالتالي تفتقر إلى التجرّد العلمي، كما يرى غوستاف حين يقول: «واليوم قد نسي الناس رواة الثورة الفرنسية المتقدمين كتيار وكينه وميشله، مع ما اتصف به هذا الأخير من حسن القريحة، ففي آرائهم شيء من الغموض، ويتغلب عليها مبدأ القدر التاريخي. ومن ذلك أن تيير كان يعدّ الثورة الفرنسية نتيجة طبيعية للنظام الملكي المطلق، وأن كينه كان يعتبر ما حدث نتيجة سابق اضطهاد، نتيجة الاستبداد القديم، وأن ميشله كان يعتبر الثورة الفرنسية عملًا شعبيًا جديرًا بالإعجاب والتعظيم».

وهناك من فسّر أحداث الثورة الفرنسية من خلال نظرية القضاء والقدر. يقول إميل أوليفيه في كتاب «الثورة الفرنسية»: «لا يقدر أحد أن يقاوم الثورات، فالإنسان عاجز عن تبديل العناصر ومنع وقوع الحوادث الناشئة عن طبيعة الأحوال». وقال تاين: «كان سير الأفكار والحوادث عند افتتاح مجلس النواب في بدء الثورة الفرنسية أمرًا مقدّرًا، فكل إنسان يحمل مستقبله وتاريخه من غير أن يعلم». وقال المسيو سوريل: «إن الثورة الفرنسية التي ظهرت لبعض الناس أنها هادمة وللبعض الآخر منهم أنها مجددة هي نظم طبيعي ضروري لأوروبا، فقد صدرت عن الماضي ولا يمكن إيضاحها إلا بنور العهد السابق». فهذه الطائفة من المؤرخين ترى أن الأمر قدري الحدوث ونتيجة حتمية لوضع سابق.

وطائفة ثانية من المؤرخين كانت تشكّك في تأثير الثورة الفرنسية، مترددةً في إبداء وجهة نظر واضحة. سُئل مسيو هانوتو، بعد أن أثنى على الثورة الفرنسية، عن نتائجها بالنسبة إلى ثمنها، فقال: «سيتردد التاريخ كثيرًا قبل أن يحكم في ذلك». وأبدى مسيو مادلن في كتابه عن الثورة الفرنسية ترددًا مثل ذلك، فقال: «لا أستطيع إعطاء حكم قاطع في حادثة معقدة كالثورة الفرنسية، فأرى أن عللها ونتائجها أمور تقتضي بحثًا كبيرًا».

وهناك ضمن هذه الطائفة من المؤرخين من هم غير فرنسيين، فكانت أحكامهم شديدة، ولا عجب، فقد أذاقت أوروبا، وخاصة ألمانيا، أنواع المحن. يقول مسيو فاغيه عن رأي الألمان بالثورة: «إن ألمانيا عدّت فرنسا في الماضي أمة اضطهدتها وازدرتها وأثخنت فيها ونهبتها مدة خمس عشرة سنة باسم الحرية والإخاء، وهي تعتبر فرنسا في الوقت الحاضر أمة تقيم بحجة هاتين الكلمتين ديمقراطية مستبدة ظالمة مزعجة مخرّبة غير صالحة ليقتدي بها أحد. هذا كل ما تنظر به ألمانيا إلى فرنسا، وهذا كل ما تشير إليه جرائدها وكتبها».

وأما ما نحتاجه حقيقةً فهو طائفة ثالثة يكون التجرّد والإنصاف هو القانون الذي يحكم أعمالها. فالمؤرخ يوثّق وينقل الوثائق، وإن كانت الأحداث كثيرةً جدًا لدرجة استحالة نقلها كلها، ولكن المشكلة هي الانتقاء واختيار ما يناسب أفكاره السياسية ومعتقداته الدينية والفكرية. وبالتالي يؤلف هذه الوثائق بعيدةً عن الإنصاف والعدالة، مما يؤدي إلى استحالة الوقوف على التاريخ الحقيقي، فيزيّف التاريخ، ويصبح رأي المؤرخ ووجهة نظره هي التاريخ.

لذلك لا بد أن ننقل التاريخ دون الحكم على الرجال مدحًا أو قدحًا، ودون أن ننظر إلى المصلحة الاجتماعية، وبالتالي كتابة التاريخ بناءً على ما نراه مصلحةً للمجتمع، والذي بدوره في المستقبل لا يمثل ذات المصلحة كما هي في وقت التأريخ.


النشر الأصلي

نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 4 يونيو 2018: قراءة المقال الأصلي.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.