الثورة ما بين العدالة والانتقام
عمار مرعي
في المقالة السابقة كنت قد كتبت عن أحداثٍ كبيرةٍ
وتغييرات هائلة تحدث في فرنسا في زمن قديم من خلال الصعود في آلة الزمن والدخول في النافذة الزمنية الهائلة التي تفتح كل حين فتهز العالم وتُغيِّر تفاصيل المشهد وتكون عندها التحولات الكبرى وكم كانت تلك الرحلة ممتعة ومهمة في ذات الوقت، و لذلك كله قررت أن أبدأ بجولة عبر الزمن أًمُرُّ بها على كل النوافذ الزمنية المفتوحة لأشاهد التحولات الكبرى، فأراها كما هي وأحاول أن أشعر بها حيث أن الشعور باللحظة من خلال عيشها يجعلك تتفهم الأحداث والمواقف، وتدرك أفعال الناس أكثر، والحكم عليها من خلال فهم الظروف التي عاشوها، وليس من خلال ظروفنا وزماننا ومفاهيمنا المختلفة لاختلاف الزمان والمكان، كمثال على ذلك: كان من الانسانية في زمن الرومان أن تطعم عبدك أو أًمَتَك مما تأكل، أن لا تضربه ومن يفعل ذلك يُعَّد رحيماً إنسانياً يستحق المديح أما في زماننا فمجرد ذكر كلمة العبودية أو تناول الفكرة يُعَّد أمراً مقززاً وجُرماً وعاراً كبيراً، إنه اختلاف الزمن، وللحكم عليه لابد من أن نعيش اللحظة في ذلك الزمن، ولا بد من استيعاب مفاهيمه ومسلماته وخاصة أنني أصبحت مقتنعا -كما كثيرٌ ممن أعرف -أن ما وَصَلَنَا من التاريخ كتبه المنتصرون وليس من الضروري أن يكون قد وقع فعلاً وأحياناً كثيرةً نسمع ونشاهد ونقرأ أشياء نُحِسُّ في داخلنا أنها مبالغٌ بها أو غير منطقية، ولا تصح عقلاً.
إذاً لنركب آلة الزمن وندخل النافذة الزمنية المفتوحة في عام (1789) لنحط في باريس.
باريس عاصمة النور كما تسمى التي كانت تَعُجُّ بالموسيقى والمنتديات الفكرية والأدبية وتضج ثقافةً، شوارعها الجميلة وقصورها الراقية، مكتباتها العتيدة، كل ذلك يحترق، القتل والنهب والسلب يجوب شوارع باريس، الموت يُسرِع الخُطا ويحصد بمنجله أرواح الناس من كل الفئات، لا تسمع إلا أصوات الحقد والانتقام، والدم يُلِّون المدينة البيضاء، مخازن تنهب وأخرى تُحرق، مكتبات ومتاحف تُدمَر، لابد أن السلطة الملكية هي من تُدمِّر باريس على مبدأ أنا ومن بعديِّ الطوفان ولكن المفاجأة أن الثوار هم من يقومون بذلك بدأت أسئلةٌ تدور في ذهني: هل هذه هي الثورة؟ أين الحرية والعدالة والمساواة، لا يمكن للحرية أن تعيش مع الدم والقتل في مكانٍ واحد أو في قلبٍ واحد لابد أن ينهي أحدهما الأخر.
أراني عُدت للحكم على ما يحدث من خلال مفاهيمي في القرن الواحد والعشرين وهذا خلل في الحكم كما سبق وقلت، إذاً لنتابع مشاهدة ما يجري ونحاول أن نعرف أكبر قدر من المعلومات والتفسيرات ثم نحاول أن نحكم على ما جرى.
رجل يقود الجماهير هو زعيم الثورة وخطيبها كما اصطلح على تسميته وقتئذ، إنه المحامي الشهير
روبسبيبر الذي يقول:( إن الجمهورية هي إرادة الله) وكأنه يقول إن الثورة التي يقودها وتنادي بالجمهورية بديلاً عن الملكية هي أمرٌ إلهي ويلبسها اللباس الديني وبهذا يخاطب عاطفة الناس الدينية وتكون قراراته تلبس رداءً مقدساً يَسهُلِ الموت من أجله وتبرر أفعاله مهما كانت إجرامية كما يقول الفيلسوف غوستاف (من المشهود أنه عندما يشيع معتقد جديد بين الناس يلتف حوله رجالٌ لا يهمهم من أمره سوى أنهم يرون فيه وسيلة لإرواء شهواتهم وأطماعهم).
وجدت نفسي أفكر في خطاب روبسبيبر واقواله الممتلئة بالعاطفة الدينية كما في مقولته السابقة ووجدته عكس كل ما يشاع أن الثورة عزلت الدين تماما عن السياسة والدولة فكيف يتفق هذا الفصل مع قوله إن الجمهورية هي إرادة الله؟ يحق لي أن أسأل ولابد لي أن أسمع أكثر وأزور القادة من كل جانب وقررت أن أزور وأستطلع أراء الثوار ورجال الدين ونظام الملك في تلك المرحلة لأفهم وجهات نظرهم فأقاربها لعلي أخرج باستنتاجات قريبة من الصواب تفسر لنا تلك المرحلة ولكني الآن سأتابع وصف ما يحدث على أن أقوم بزياراتي في المقالات القادمة.
أعود إلى باريس في مشهد تاريخي أضحى علامة فارقة في تاريخ الشعوب، الجماهير الغاضبة الثائرة تندفع الى سجن الباستيل الشهير (رمز الاستبداد والظلم كما تعلمنا) في رمزية ثورية تبشر بعهد جديد من القيم الكبرى كالحرية والعدالة والمساواة، الجماهير تُخرٍج كل المساجين، المساجين الذين سوف يسفكون دم باريس، ويضرمون النار في تاريخها، ويقطعوا أعناق العلماء مثل لافوازيه، العلماء الذين ساهموا في النهضة العلمية، وكل ذلك بحجة عداء ثورة العدالة.
الخارجين من سجن الباستيل وإن كان فيهم سجناء الرأي والحرية، ولكن الكثير منهم مجرمون، أو قتلة، أو سارقين، أصحاب السلوكيات المريضة هؤلاء، وجدوا فرصتهم لممارسة شذوذهم الفكري والسلوكي بإسم الثورة والحرية.
في هذه المعمعة وهذا الهياج يغيب التعقل تماماً وتقود العاطفة الجماهير ويثبت في أذهان الناس أن من يطالب بالتعقل أو التروي، هو خائن لابد من قتله، وهذا يسهل عمل المجرمين كي يعيثوا في الأرض فساداً تحت شعار الثورة، قلت في نفسي هذا يمكن أن يحدث كما في كل الثورات هناك من يسيء للثورة والأكيد أن قادة الثورة لا يرضون هذا النهج لذلك عدت لأرى القائد روبسبيبر الذي أعلن انتصار الثورة وقيام الجمهورية بديلاً لطغيان الملك المطلق السيادة، كما يقول، روبسبيبر نفسه الذي أصبح أول رئيس مطلق الصلاحية مستبد في التاريخ وسمي عهده عهد الإرهاب-(وحسب بعض المصادر فإنها المرة الاولى التي يستخدم فيها مصطلح الإرهاب)- وقتل فيه ستة الاف من المعارضين له ومنهم الكثير من قادة الثوار بتهمة عداء الثورة والحقيقة هو عداء شخصي وتنافس على المصالح.
سلطة مطلقة، فساد مطلق، فرنسا تتراجع وتعيش عصراً من الاضطراب المهول الذي لم تعرفه منذ الحروب الدينية .
خمس سنوات سوداء من حكم روبسبيبر، ينهيها وللمفارقة رفاق الثورة، بقتله في المجلس التشريعي رمز العدالة الجديدة، لتبدأ عهود جديدة من أنظمة تحكم باستبداد أسوء من الملكية ذاتها.
هنا تتحطم خيالاتنا الرومانسية عن الثورة الفرنسية هل حقاً أننا بني البشر متوحشين بطبعنا متناقضين لدرجة الاجرام، يطالبون بالحرية والعدالة، ثم يقتلون الاخرين ويدمروهم تحت عنوان عداء الثورة.
ما يحدث الان في فرنسا هو الحقد والانتقام والقتل والإرهاب إنه عهد الإرهاب.
هل حقا هذه هي الثورة التي أوصلتنا إلى حضارتنا الحالية وقيمنا التي نعيشها من ديمقراطية وحرية وإنسانية، لابد من البحث أكثر وتتمة اللقاءات مع بقية الأطراف المؤثرة في تلك الفترة كما اتفقنا، لعلنا نفهم أكثر، وننتهي من الرومانسية المزيفة، لننتقل الى الواقع ونرى الحقيقة.
وإلى الملتقى في الرحلة القادمة
النشر الأصلي
نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 18 يناير 2018: قراءة المقال الأصلي.
© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.