الموجات الثورية
عمار مرعي
البحث التاسع: يتحدث بعضٌ من الناس ببساطةٍ كبيرةٍ، وبعينٍ لا ترى إلا الواقع المعاش، واللحظة الآنية، ولا تحاول أن ترى الأحداث بعينٍ واسعةٍ، ترى الصورة الكاملة، عين ٍعميقة الرؤية، زاويتها تمتد من الماضي والتاريخ، مروراً بالحاضر، لتتجاوزه إلى استشراف المستقبل، فيظنون أن ما حدث من ثورات، أو رفضٍ عميقٍ للواقع، قد انتهى، أو أدى الى انهيارات في المجتمع، كان من الأفضل الحفاظ عليها، ومن هنا بدأت التأويلات الكثيرة فمنها من يرد هذه إلى مؤامرة خارجية، هدفها تدمير المجتمع، ومنها من يردها إلى عذاب رباني، لابتعادنا عن الطريق المستقيم، وعدم التزام أوامر الله سبحانه -{ كما يراها المتأول}-وتأويلات أخرى كثيرة لا مجال لذكرها الآن .
ولكن الباحث والقارئ للأحداث بالمنهج العلمي والسنن التاريخية يقول غير ذلك، فأولاً يمكننا تعريف الثورة: بأنها التغيير الجذري، والكامل، والمتتابع{الموجات الثورية}، لكل البنى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، التي أدت إلى حالة الفساد العام والخاص ،والوهن المجتمعي، والسقوط الأخلاقي، والتردي القيمي والثقافي، والفشل الاقتصادي، والعلاقات المضطربة، والسلوكيات المنافقة وإبدالها بنى جديدة ثورية تملك تصوراً للمشكلة وتطرح حلولا ًلها{ النظريات الفكرية الثورية} وتطرح خارطة طريق مدروسة لتطبيقها{فكر استراتيجي+ تخطيط وتنفيذ استراتيجي} وكل جزء من التعريف السابق يحتاج الى بحث وايضاح لأهميته في إدراك الحال التي نعيشها واستشراف المستقبل وكيفية المساهمة فيه.
-أولاً: نبدأ بجملة أن الثورة هي تغييرٌ جذري وكامل متتابع (الموجات الثورية): ندرك أن الثورة، وحسب السنن التاريخية للثورات، تنتشر أفقياً وعامودياً، بمعنى أنها تنتشر في كل الفئات الاجتماعية، والمكونات المختلفة للمجتمع، وكذلك تعمل في كل العوالم التي تخص المجتمع من فكر وثقافة وسلوك واقتصاد وسياسة، لتنشأ علاقات جديدة، وبنى ومكونات مختلفة وثورية، وهذا لا يكون دفعة واحدة بل عبر ما يمكننا تسميته (الموجات الثورية المتلاحقة) والتي تعبر كل موجة فيها عن مرحلة معينة.
١- الموجة الثورية الأولى: وهي موجة ناتجة عن الشعور بالظلم والحاجة الى الهوية التي تعبر عن كرامة الانسان وقيمته وتعطي وجوده أهمية ومعنى فلم يعد من المقبول أن يبقى مجرد رقم، أو ضريبة، مسلوب الإدارة، يمنع عليه التفكير أو التعبير أو حتى الحلم بذلك، ويصبح إنساناً هشاً ضعيفاً، تتلاعب به الأهواء الفاسدة.
وتتصف هذه المرحلة بحالة (الموات الفكري) وهي المسؤول الأول عن الفساد المجتمعي، وبأنها عنيفة دموية، يحركها الألم والعواطف، والغضب الكامن، لا تعقل أو تفكر، لذلك تسير خبط عشواء، بلا هدى وانضباط، فتواجه بما يسمى الردة المجتمعية من الاشكال السائدة القديمة والتي لا تزال تملك خبراتها وعقلها، وبالتالي خططها، بمقابل الموجة الثورية الاولي التي تملك العاطفة، وتفتقر الى التعقل ومن هنا تبدأ التأويلات البسيطة التي ترى أن الثورات فشلت، ولكن الحقيقة أن الموجة الأولى قد حققت أهدافها (ولو كان الثمن باهظاً) انتهت من حالة الموات والقبورية وحلت مكانها حالة من الحيوية والحركة لتبدأ الموجة الثورية الثانية تتجهز للإقلاع.
٢-الموجة الثورية الثانية: وهي موجة المراجعة والمواجهة، مراجعة كل التفاصيل في الموجة الأولى من أخطاء وأشخاص وقيادات وأفكار وافتقار للنظريات الثورية أو التصورات البديلة الثورية للمجتمع وكذلك للفكر والتخطيط الاستراتيجي (الخارطة الثورية) وتتصف هذه الموجة بالمواجهة والشجاعة الأدبية والفكرية، المواجهة بين النموذج التقليدي المسؤول عن الانحطاط بكل مكونات هذا النموذج، وبين النموذج المتمرد الثوري الحديث، والذي يبدأ وعيه بالتشكل، وأطرافه وفروعه بالتلاقي، لتشكل تياراً فكرياً يتميز بالعمق والوعي والصلابة، ويبدأ السلوك الأخلاقي، والوعي الذاتي بالاتجاه العامودي، ليشكل الهوية، وبالتالي تظهر مفاهيم مهمة، تشكل جزءاً من الهوية، كمفهوم الهم والواجب العام وتتقلص الأنا الفردية على حساب أنا الجماعة والكل، لتبدأ الموجة الثورية الثالثة (موجة المواجهة الداخلية الثورية والانتصار)والتي سنتكلم عنها لاحقاً في المقالات القادمة بإذن الله.
النشر الأصلي
نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 24 يونيو 2018: قراءة المقال الأصلي.
© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.