العودة إلى المقالات
نص أرشيفي

من مرحلة سابقة من الكتابة والعمل الثقافي، يُعرض هنا بوصفه وثيقة من ذلك المسار، لا بوصفه صياغةً لمشروع المدرسة القيمية الحالي.

النشر الأصلي: 22 مايو 2018 في أيام كندية.

قراءة المقال الأصلي

بين العقلين العلمي والغيبي

عمار مرعي

بين العقلين العلمي والغيبي سؤال يؤرقني دائماً حينما أقرء التاريخ عموما وفي أوربا خصوصاً، لماذا هذا الاختلاف في النتائج ما بين ثورات الإصلاح الديني والثورات الأخرى كالثورة الفرنسية مثلاً، مع أن المشترك بينهما هو الدم المسفوك في صراعات المجتمع المنقسم، ولكن الاختلاف كبيرٌ وحاسمٌ في النتائج. ولإشباع الفضول العلمي لدي، فلابد من رحلة زمنية إلى باريس حيث صديقي الراهب الثائر، فألتقيه مجدداً ونُشعِل نار الحوار اللطيفة، فتقينا من تجمد العقول نتيجة صقيع الجهل.

-محطة الوصول: باريس زمن الثورة، أمام ذات الكنيسة، أجول بنظري حول الكنيسة باحثاً عن صديقي، لأجده في الحديقة المجاورة يسقي النباتات -مرحبا أيها السيد المحترم -اهلا بك.. اوه صديقي.. سعيد لرؤيتك مرة أخرى. -شكراً سيدي الواقع أن عقلي مشغولٌ بسؤالٍ وعَطِشٌ لفهمه، فأرجو أن أجد عندك ما يرويه، كما تروي عطش هذه النباتات -حباً وكرامة.. تفضل اِطرح سؤالك -شكراً لك.. أرجو أن تبين لي ما هو وجه الاختلاف بين ثورات الإصلاح الديني السابقة وبين الثورة الفرنسية الآن، ولماذا نفترض أن هذه ستغير المجتمع ولن تفشل كتلك. -حسناً.

لقد كان يتم تناول الدين من خلال رجاله وتفسيراتهم للدين، والتي أضحت هي الدين ذاته، فتحول الإيمان بالله إلى تفاصيل يومية، واجراءات شخصية، فهبط الايمان من عالم الروح والقيم إلى تفاصيل يومية، لا دخل لها بالإيمان بالله مطلقاً ،ذلك الهبوط الذي يمنع نمو الضمير، المراقب الذاتي، صوت الله فينا، بل ويسهل السيطرة على العقول، وتحديد مسارها بما يناسب مصالح وكلاء الله كما يحسبون انفسهم و بكل ثقة للأسف، وكل ذلك تحت عنوان واحد ،هو تفسير الدين وأن هذا التفسير هو إرادة الله التي توجب الدمار على المخالف في الدنيا، وجهنم في الاخرة، وهنا يصبح الوكيل أصيلاً بشكلٍ غير مباشر، ويصبح رجل الدين هو الدين، وتتحدد العقول في مسارٍ صغيرٍ جداً، هو رضا رجال الدين باطنا، ًوطاعة الله ظاهراً.

لقد استشعر أصحاب الثورات الدينية المشكلة الموجودة في عصرهم، وحاولوا أن يقدموا الحلول من خلال إيجاد تفسيرات جديدة للنص الديني، تخطو خطوة باتجاه التخلص من السيطرة البشرية على كلمات الله، فقامت أفكارٌ كثيرةٌ مختلفة، خلّفت مذابح بشرية هائلة، تحت عنوان واحد هو الأحقية الإلهية لطرفٍ أو مذهب أو دين بتفسير الغيب، فأصبح الدم هو الثمن الطبيعي للعقل الغيبي المطلق الأحادي التوجه يقول كالفن وهو من قادة هذه الثورات ومنظريها : (إن الله يريد أن تطرح الرأفة والإنسانية جانباً عند الجهاد في سبيله) .

-جميل هذا التحليل يا سيدي ولكن ما هو موقف منظري الثورة الفرنسية - حسناً لابد أنك تعرف كتاب رسائل فارسية لمونتيسيكو -نعم -إن الكتاب يناقش من جانب معين التطرف الفكري لدى كل طرف، -مع العلم أن الكل يدعي التسامح-، فينتقد فرنسا بما فيها من مؤسسات دينية، وسلطة سياسية، وأحوال اجتماعية، بلسان أمير مسلم فارسي وبنفس الوقت تستطيع أن ترى أن الناقد ذاته (المسلم الفارسي) يمارس ما يعيب فيه على الآخر، يمارس ذات التطرف وذات الكره والتعصب عملياً.

لقد أدرك المفكرون الثائرون أمثال روسو ومونتيسيكو وديكارت وجون لوك المشكلة تماما فكانت خطوتهم وصيحتهم أبعد بكثير من مفكري الإصلاح الديني فقرروا عدم تفسير النص من جديد لأن ذلك سيدخلهم في دوامة لا تنتهي من الادعاءات، بل أبدلوا التفسير بالإيمان، إعمال العقل العلمي بديلاً عن العقل الغيبي المطلق الأحادي التوجه، فكانت نهضةً عالميةً وقفزةً حضاريةً هائلة، في عالم الفكر والعلم.

يتبع


النشر الأصلي

نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 22 مايو 2018: قراءة المقال الأصلي.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.