العودة إلى المقالات
نص أرشيفي

من مرحلة سابقة من الكتابة والعمل الثقافي، يُعرض هنا بوصفه وثيقة من ذلك المسار، لا بوصفه صياغةً لمشروع المدرسة القيمية الحالي.

النشر الأصلي: 22 مايو 2018 في أيام كندية.

قراءة المقال الأصلي

المفكرون والثورة

عمار مرعي

في اليوم الثاني لزيارتي مدينة بوردو أثناء رحلتي عبر الزمن في عام ١٧٤٨، بعدما حضرت لقاءاً في أحد المقاهي يتكلم فيه الفيلسوف الكبير مونتيسيكو عن الحرية والمساواة، وبعد حواري مع أحد المريدين، قررت أن أعود لذات المكان، وأُكمل الحوار في محاولةٍ للتعرف على فكر وفلسفة مونتيسكو، وبالتالي معرفة مدى تأثير أفكاره على الثورة الفرنسية فيما بعد.

وصلت إلى المقهى، جُلت في نظري باحثاً عن رفيق البارحة، وجدته جالساً في ذات المكان وذات الطريقة، وكأنما المشهد يكرر نفسه في تأكيدٍ على عمق تأثير العادة وسيطرتها علينا. - صباح الخير سيدي - صباح الخير.. كيف حالك عزيزي. - أنا بخير.. ولكن فضول طالب العلم يشتعل داخلي وأردت أن أعرف أكثر عن الفاضل مونتيسيكو - حباً وكرامة يا صديقي.. إن كل من يستمع أو يقرأ هذه الأفكار الجديدة وإن كان يمتلك عقلاً باحثاً عن الحقيقة، وفضولاً علمياً، لابد أن يؤرقه حُبُّ المعرفة، ويمنعه ظمأه الفكري من النوم حتى يروي عطشه الإنساني للفهم.

- هل يمكنك يا سيدي أن تحدثني عن مونتيسيكو وعن فكره قليلاً - إن مونتيسيكو سليل أسرةٍ نبيلة غنية جداً، فوالده كان ضابطاً من سلالةٍ طويلةٍ من النبلاء، وكان يعمل كبير قضاة، توفي والده مخلفاً له ثروةً هائلة، وكان في سن الرابعة والعشرين، وبعد سنة دخل برلمان بوردو كعضو وقاضي. ثم توفي عمه عام١٧١٦ فورث ثروته ومنصبه كرئيس للبرلمان.

كان شغفه العلمي كبيراً فقد كان يقوم بالتجارب الفيزيائية والفسيولوجيا والجيولوجية مع جامعة بوردو، ويمكنك أن تلاحظ أثر تلك المعرفة العلمية في كتاباته، لقد كانت ثروته معيناً له في بحوثه التي أفادت البشرية ولم تكن عامل ضياع وافساد له. - جميل جداً ما تقول يا سيدي.. هنا يتجلى إخلاص العالم وحقيقته فتكون المغريات كالثروة والجاه عنده عاملاً مساعداً على إنجاز الأفكار والأعمال التي تفيد البشرية، بينما عند معظم الناس تكون هدفاً وغاية. هل لك يا سيدي أن تحدثني عن كتب الأستاذ مونتيسيكو وأفكاره بإيجاز. -حسناً..

يمكنني القول أن كتابه الأول (رسائل فارسية) قد جعل شهرته تطبق الآفاق، لقد جعل الشخيصتين الرئيسيتين في كتابه ريكا و أوزبك السائحان الفارسيان في فرنسا ينقلان ما شاهدا في فرنسا بأسلوب ساخر ناقد بواسطة رسائل متبادلة مع اشخاص في أصفهان وفي تلك الرسائل ينتقد الغرب والشرق وعاداتهما وكذلك يتكلم أوزبك الفارسي لينتهي إلى فكرة ضرورة وجود الحكومة ولكنها تعجز عن تأدية مهمتها إن لم تكن قائمة على الفضيلة في الحاكم والمحكوم.

لقد كان الانتقاد الديني شديداً في الرسائل فيرى أوزبك أن السود يتصورون أن الإله أسود وأن الشيطان أبيض .والبيض يروون العكس ويسخر من الرهبان ومن المعتقدات الدينية الموجودة سواء في الغرب أو الشرق المسيحية أو الإسلام ،ثم  يشرع في النقد السياسي ويصف  الملك بالساحر الذي استطاع أن يجعل الناس يعتقدون أن الورق نقود كما استطاع إفساد الحاشية وتسبب في خمول النبلاء ويفضح مونتيسكو حالة الفساد والتبذير في الحاشية وخمول النبلاء وسوء إدارة الدولة ويمتدح جمهوريات اليونان القديمة والجمهوريات الحديثة في سويسرا وهولندا -حقاً انه لشيء مذهل إن كتابه هذا صرخة هائلة وسابقة عظيمة في سبيل الحرية والخروج عن مقيدات الفكر وإعمال العقل ومناقشة المقدس الذهني (فهو يعتبر من أول من كتب بهذا وكان ذو أثر عظيم في النهضة الفكرية) وماذا ايضاً يا سيدي -حسنا...

كتابه الجديد المزلزل (روح القانون) والذي تكلمنا عنه في المرة السابقة والذي منع من الصدور في بداياته لذلك تمت طباعته في جنيف وبعد ذلك سمح له أن يطبع في باريس ويعتبر أكثر الكتب مبيعا وانتشاراً في زماننا. والآن أرجو أن تعذرني أيها السيد فأنا مضطر لتركك اليوم على أن نكمل حديثنا في وقت آخر. -أشكرك أيها السيد المحترم على وقتكم.. إلى اللقاء. لقد أحدث الكتاب ضجة كبرى اجتاحت فرنسا. انقسم الفلاسفة ورجال الفكر والدين بين مؤيدين ومعارضين. لكن النقد المر، جاء من رجال الدين.

بحجة أن ما جاء بالكتاب يتعارض مع ما جاء بالكتاب المقدس. واتهموا مونتيسكيو بالهرطقة وعدم الإيمان بالملائكة والوحي والرسل. مما حدا بمنتيسكو إلى إصدار كتاب آخر عام 1750م، يدافع فيه عن كتابه بعنوان "دفاع عن روح القوانين". كتب جيبون: "على مدي أربعين عاما منذ صدور روح القوانين، لم يقبل الناس على قراءة كتاب أكثر منه". لقد استفاد كل من جيبون وبلاكستون وبيرك من كتابات مونتسكيو. وعده فردريك الأكبر أحسن الكتب بعد كتاب الأمير.

يقول "ول ديورانت" صاحب كتاب قصة الحضارة:( وعلى مدى جيل واحد من الزمان، كان مونتسكيو، لا فولتير، هو صوت العقل وبطله في فرنسا) لقد تأثر مونتيسكو برحلته إلى سويسرا وهولندا وإنجلترا، قضى نصف هذه الرحلة في إنجلترا، والتي أعجب بنظامها السياسي وبالحرية التي يعيشها الانجليز أيما إعجاب. أثناء هذه الزيارة، عقد مونتيسكو أواصر الصداقة مع مجموعة من علية القوم. واختير عضوا في الجمعية الملكية بلندن. واستقبله الملك جورج الثاني والملكة كارولين.

يقال كثيراً عن أن مونتيسكو وكتابه هم روح ودستور الثورة الفرنسية المقدس لذلك سنتكلم في المقالة القادمة عن مدى تأثير الأفكار في الثورات من خلال أفكار مونتيسكو وتأثيرها في عقلية ونفسية الثورة الفرنسية يتبع...


النشر الأصلي

نُشر هذا النص في مجلة «أيام كندية» بتاريخ 22 مايو 2018: قراءة المقال الأصلي.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذه النسخة، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي على الموقع.