العودة إلى المقالات

من يحمل عنك الخطأ؟

لماذا نطلب من يُعفينا من تبعة الحكم؟

عمار مرعي

في سنة 1784 كتب إيمانويل كانط مقالًا قصيرًا جوابًا عن سؤال طُرح في صحيفة برلينية: ما التنوير؟ وافتتحه بتعريف صار من أشهر ما كُتب في الفلسفة الحديثة: التنوير هو خروج الإنسان من قصورٍ أوقع نفسه فيه؛ والقصور عجزه عن استعمال عقله من غير توجيه من غيره. ثم ساق مثالًا يستحق أن نقف عنده أطول مما نقف عادةً: «إن كان لي كتابٌ يفهم عنّي، وقسٌّ يحمل عنّي ضميري، وطبيبٌ يقرّر عنّي غذائي، فلا حاجة بي إلى أن أُتعب نفسي».

انظر إلى قائمة كانط. ليس فيها طاغية، ولا سجّان، ولا سلطة تفرض نفسها بالقوة. فيها كتاب، وقسّ، وطبيب. ثلاثة يقدّمون خدمة، ويُقصَدون قصدًا، ويُدفع لهم أحيانًا أجرهم. القصور الذي يصفه كانط ليس مفروضًا من فوق؛ إنه مشترى. وهذا هو التفصيل الذي يقوم عليه هذا المقال.

فقد نظرتُ في المقالات السابقة في الإعفاء من جهة من يمنحه أو يفرضه: من يرسم دائرة من تشملهم القيمة، ومن ينحدر به الاحترام إلى إعفاء المُجَلّ من النقد. وبقيت الجهة الأخرى، وهي في تقديري الأكثر إلحاحًا: الإعفاء بوصفه طلبًا يصعد من أسفل، لا سلطةً تنزل من أعلى. فلماذا يطلب الإنسان من يحكم عنه؟

جواب كانط، وموضع اختلافي معه

يجيب كانط بلا مواربة: «الكسل والجبن هما السبب في أن هذا القدر العظيم من الناس يبقى تحت وصايةٍ مدى الحياة، بعد أن تكون الطبيعة قد حرّرتهم من التوجيه الخارجي». جواب واضح، وشجاع في سياقه، ويردّ الظاهرة إلى نقيصة أخلاقية في الفرد: كسلٌ يمنعه من بذل الجهد، وجبنٌ يمنعه من احتمال تبعة الاستقلال.

وأختلف معه في موضع واحد، هو موضع هذا المقال كله.

الحكم بين قيم صادقة متزاحمة ليس كسلًا أن تتهرّب منه؛ إنه مكلف فعلًا. فهو يقتضي أن توازن في كل حالة على حدة، وأن تقبل أن ترجيحك ظنّي، وأن تعود فتراجعه إذا تغيّرت الوقائع، وألا تنال في آخر ذلك كله راحةً نهائية. من يوازن يعيش في حالة عمل دائم؛ ومن سلّم حكمه استراح. ووصف هذه الراحة بأنها كسل يشبه وصف من يستأجر محاميًا بأنه كسول عن دراسة القانون.

بل إن الذي يُنقَل إلى الوصيّ ليس جهد التفكير أصلًا. كثير ممن يسلّمون أحكامهم يبذلون في الدفاع عنها جهدًا يفوق جهد الفحص أضعافًا. المنقول شيء آخر: تبعة الخطأ. فمن اجتهد لنفسه فأخطأ، بقي الخطأ خطأه، وبقي هو المسؤول عنه أمام نفسه وأمام غيره. أما من اتّبع، فله في كل خطأ جوابٌ جاهز: هكذا قيل لي. والفرق بين الحالين ليس في مقدار الجهد، بل في موضع الذمّة. وليس كل اعتمادٍ وصاية، ولا كل استشارةٍ نقلًا للذمّة؛ الفارق هو ما إذا بقي الحكم قابلًا للمراجعة، وبقيت التبعة عند صاحبه — وسأعود إلى هذا الفارق في آخر المقال، لأن عليه مدار الاعتراض الأقوى.

وعلى هذا، ففي الصورة الوصائية لا يشتري الإنسان معرفةً أفضل فحسب، بل يشتري أيضًا إعفاءً من تبعة الحكم؛ وهنا تتحول الاستعانة إلى نقلٍ للذمّة. وقد يقدّم الوصيّ علمًا حقيقيًا، لكن أخطر ما يقدّمه، حين تصير العلاقة وصاية، تأمينٌ ضد المسؤولية؛ وهو تأمين شامل، لأنه يغطّي الأخطاء التي لم تُرتكب بعد.

من النقيصة إلى العبء

وقد قارب إريك فروم هذه المسألة من جهة أقرب إلى ما أصف. أطروحة كتابه «الهروب من الحرية» أن الحرية الحديثة، إذ حرّرت الفرد من روابط تقليدية كانت تسنده، تركته وحيدًا أمام اختيارات لا يقوى على حملها، فنشأ ميل إلى الفرار منها بالارتماء في الخضوع لسلطة تحمله عنه. والمكسب في هذه الصياغة أنها تنقل التفسير من النقيصة إلى العبء: لم يعد التسليم كسلًا، بل هربًا من ثقلٍ حقيقي.

وأمضي خطوة أخرى وأختلف عن فروم في تشخيص مصدر الثقل. فالثقل عنده نتاج وضع تاريخي ونفسي: انفراد الفرد الحديث وقلقه. وأنا أزعم أنه أعمق من ذلك وأقدم: إنه ملازم لبنية القيم نفسها، لأن الإنسان لا يواجه قيمة واحدة يطيعها أو يعصيها، بل قيمًا صادقة تتزاحم فتلزمه بترجيح لا يعطيه يقينًا. وهذا وضع لا يزول بإصلاح المجتمع الحديث، لأنه ليس عرضًا من أعراضه. ومن هنا فالتسليم عندي ليس مرضًا نفسيًا يُعالَج، بل معاوضة معقولة من داخل منطق من يقوم بها؛ وهذا بالضبط ما يجعلها عصيّة على العلاج بالوعظ.

وليس هذا مرض التقاليد وحدها

قد يُظنّ أن هذا الوصف يخصّ المجتمعات المحكومة بالدين أو بالتقليد. وأنقل الشاهد الثالث من موضع بعيد عن هذا الظنّ.

في الجزء الثاني من «الديمقراطية في أمريكا» يتخيّل ألكسي دي توكفيل الاستبداد الذي ينبغي للأمم الديمقراطية أن تخشاه، فيصفه لا بوصفه قهرًا بل بوصفه رعاية: «فوق هذا الجنس من الناس تقوم سلطة هائلة وصيّة، تتولّى وحدها تأمين مسرّاتهم والسهر على مصائرهم. وهي سلطة مطلقة، دقيقة، منتظمة، بعيدة النظر، وادعة… تعمل لسعادتهم راضيةً، لكنها تختار أن تكون الفاعل الوحيد والحَكَم الوحيد في تلك السعادة: تؤمّن لهم أمنهم، وتستبق حاجاتهم فتوفّرها، وتيسّر لذّاتهم، وتدير شؤونهم الكبرى… فماذا يبقى بعد ذلك إلا أن تعفيهم من عناء التفكير كلّه ومشقّة الحياة كلّها؟».

وأهمّ ما في وصف توكفيل أن هذه السلطة لا تُفرض. إنها لطيفة، ونافعة، ومريحة، ويقبلها الناس لأنها تخدمهم. وهي تصنع ما وصفه كانط قبل نصف قرن، لكن بلا كتاب ولا قسّ ولا طبيب، وفي مجتمع يعدّ نفسه متحرّرًا من الوصاية. وهذا يثبت أن ما نتكلم عليه ليس خصيصة تقليد، بل معاملة يمكن أن تُعقد في أي مكان تكون فيه المسؤولية ثقيلة، والراحة معروضة.

اختيار لا جهل

وفي تقليدي شاهد على أن هذا التسليم اختيار لا جهل بالبديل. يصف القرآن جوابًا يتكرر كلما عُرض على قوم أن يتبعوا ما أُنزل: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة 170). والملاحظة البنيوية هنا أن البديل عُرض صراحةً، وأن الجواب جاء بأداة الإضراب «بل»، أي بتفضيل واعٍ بين معروضين، لا بجهل بأحدهما. وهذه قراءة أقدّمها استنباطًا، لا تفسيرًا وحيدًا للآية.

وهي تسند ما تقدّم: لو كان التسليم جهلًا لكفى في علاجه البيان، ولو كان كسلًا لكفى فيه التحريض. لكنه حين يكون تفضيلًا، فالبيان والتحريض يمرّان من فوقه.

لماذا لا يعالجه وصيٌّ أفضل

يترتّب على هذا نتيجة عملية أراها أهمّ ما في المقال.

النصيحة الشائعة في مواجهة هذا الداء أن نبحث عن مرجع أصدق: اتّبع العالم الثقة، اقرأ للمفكر الرصين، وثِق بالخبير الحقيقي لا بالمدّعي. وهذه نصيحة نافعة في بابها، لكنها لا تمسّ الوصاية في صورتها الكاملة. فالمطلوب عندئذٍ ليس صدق المرجع وحده، بل أن ينهي السؤال نيابةً عنك؛ والمرجع الأصدق قد يؤدي هذه الخدمة أداءً أفضل، لا أسوأ، لأنه أقدر على إسكات ما بقي في نفسك من تردّد.

ومن هنا يظهر معنى موقف نادر: أن يرفض المُجَلُّ نفسه أن يُعفى من النقد، ويستبق تلاميذه بالنهي عن إطرائه. مثل هذا الموقف يبدو تواضعًا شخصيًا، وهو في الحقيقة رفضٌ لعقد يُعرَض عليه: أن يتسلّم ذمم الناس مقابل أن يريحهم. ولستُ أعرف حصانةً بنيوية ضد هذا العرض؛ ما أعرفه أن من يقبله يخدم طالبيه في العاجل، ويأخذ منهم ما لا يستطيع أن يردّه.

اعتراض جادّ: أليس هذا هو تقسيم العمل المعرفي؟

هنا اعتراض لا يجوز تجاوزه. لا يستطيع أحد أن يتحقق بنفسه من كل ما يبني عليه حياته. أنا لا أفحص الدواء الذي أتناوله، ولا أراجع حسابات الجسر الذي أعبره، ولا أعيد التحقق من نتائج علم لست من أهله. والاعتماد على أهل الاختصاص ليس قصورًا، بل شرط لأي معرفة إنسانية متراكمة. فهل كل تسليم وصاية؟

كلا، والفرق ليس في مقدار التسليم بل في موضع الذمّة. حين أثق بطبيب، تبقى المسؤولية عن اختياره وعن مواصلة الأخذ برأيه مسؤوليتي أنا؛ وأستطيع من حيث المبدأ أن أطلب تعليلًا، وأن أستشير غيره، وأن أتوقف إن ظهر ما يوجب التوقف. رأيه قابل للمنازعة ولو لم أنازعه، وذمّتي لم تنتقل إليه. أما الوصاية فهي أن ينتقل الأمران معًا: يصير رأيه غير قابل للمنازعة، وتصير ذمّتي محمولةً عليه، فلا يبقى عندي ما أُسأل عنه.

والاختبار العملي بسيط، وليس اختبارًا في مقدار الثقة: إن أخطأ من تثق به خطأً بيّنًا، فهل ستقول «أخطأتُ في اختياره واستمراري عليه»، أم ستقول «أنا نفّذتُ ما قيل لي»؟ الجواب الأول يبقي الذمّة عندك؛ والثاني هو ثمن الصفقة التي يتحدث عنها هذا المقال.

خاتمة

بدأنا من قائمة كانط: كتابٌ يفهم عنّا، وقسٌّ يحمل عنّا ضميرنا، وطبيبٌ يقرّر عنّا. ورأينا أن أخطر ما في القائمة أن أصحابها ليسوا طغاةً، وأن الوصاية فيها مطلوبة لا مفروضة. ثم رأينا أن ما يُطلَب منهم ليس المعرفة بل الذمّة، وأن هذا ما يجعل الداء لا يُعالَج بمرجع أفضل، ولا ببيان أوضح، ولا بتحريض أشدّ.

ولا أزعم أن العلاج بيدي. لكني أزعم أن السؤال يُطرح في الموضع الخطأ حين نسأل: من نتّبع؟ فالسؤال الأصحّ يُطرح على النفس لا على المرجع:

حين أُخطئ متّبعًا، من الذي أخطأ؟


مصادر

Immanuel Kant, An Answer to the Question: What Is Enlightenment? (1784): النص الكامل — والاقتباسات في المتن ترجمتي عن النصّ الإنجليزي: "Enlightenment is man's release from his self-incurred tutelage… Laziness and cowardice are the reasons why so great a portion of mankind… remains under lifelong tutelage… If I have a book which understands for me, a pastor who has a conscience for me, a physician who decides my diet, and so forth, I need not trouble myself."

Alexis de Tocqueville, Democracy in America, vol. 2, book 4, ch. 6, "What Sort of Despotism Democratic Nations Have to Fear": نسخة تاريخية للنص — والاقتباس ترجمتي عن: "Above this race of men stands an immense and tutelary power… what remains, but to spare them all the care of thinking and all the trouble of living?"

Erich Fromm, Escape from Freedom (New York: Farrar & Rinehart, 1941): الكتاب.

القرآن الكريم، البقرة 170: quran.com.

© 2026 عمار مرعي. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة. عند الاقتباس أو النقل من هذا المقال، يجب ذكر اسم الكاتب وعنوان المقال وإرفاق رابط واضح إلى المقال الأصلي.